"مشروع E1".. ممر استيطاني يهدد بتقسيم الضفة وتهجير آلاف الفلسطينيين قسراً

"مشروع E1".. ممر استيطاني يهدد بتقسيم الضفة وتهجير آلاف الفلسطينيين قسراً
وزير المالية الإسرائيلي يعرض مشروع E1 الاستيطاني

يختصر المشهد الراهن في بادية القدس خطراً إنسانياً وسياسياً متسارعاً، فبحسب محافظة القدس، يهدد التهجير القسري نحو سبعة آلاف فلسطيني يقطنون اثنين وعشرين تجمعاً بدوياً ورعوياً شرقي المدينة، مع دفع مخطط E1 الاستيطاني قدماً إلى جانب ما يعرف بشارع السيادة، بما يعزل تجمعي جبل البابا ووادي جمل عن العيزرية ويحوّلها إلى جيوب معزولة. 

هذا التصعيد لا يقف عند حدود تغيير خرائط السكن والرعي والتعليم، بل يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للقدس ومحيطها، ويقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وفق تحذيرات متطابقة من منظمات حقوقية ودولية.

طبيعة المخطط وأثره الجغرافي

يقع مخطط E1 بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، ويستهدف خلق تواصل عمراني مباشر بينهما، هذا الربط يعني واقعياً فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يبدد التواصل الإقليمي ويغيّر أنماط الحركة والوصول إلى الخدمات والأسواق والعمل.

منظمات متابعة كبيتسيلم تشرح منذ سنوات أن البناء في مخطط E1 الاستيطاني ينسف الترابط الجغرافي ويحوّل التجمعات الفلسطينية إلى بقع مقطعة الأوصال، وهي خلاصة ردّدها أيضاً الاتحاد الأوروبي في بياناته الحديثة رداً على خطوات إسرائيلية لاعتماد المخطط. 

منذ منتصف أغسطس 2025، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المضي في المخطط مع حزم بناء واسعة، في لحظة سياسية اتسمت بضغوط داخلية وتوترات أمنية في الضفة الغربية، وأعادت بيانات أوروبية وألمانية رسمية التحذير من أن تنفيذ E1 سيقسم الضفة ويقطع القدس الشرقية عن محيطها، في حين اعتبرت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس أن الخطة تهدف عملياً إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية. 

بيئة قسرية تتسع

لا ينفصل التهديد بالترحيل عن نمط أوسع من الهدم والقيود ورفض تراخيص البناء في محيط القدس والمنطقة المصنفة جيم، وتوثق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ارتفاعاً منتظماً في عمليات الهدم التي تستهدف منازل ومنشآت حيوية، بما يخلق ما تسميه الأمم المتحدة بيئة قسرية تدفع السكان إلى الرحيل، في مخالفة لحظر النقل القسري في زمن الاحتلال.

وفي يوليو 2025 وحده، سجلت الأمم المتحدة عشرات عمليات الهدم في الضفة، ما يزيد هشاشة سلاسل العيش ويقوّض قدرة المجتمعات على الصمود وفق المفوضية السامية لحقوق الإنسان.

يتصل مخطط E1 بشبكة طرق التفافية أبرزها ما يعرف شعبياً بطريق 4370، حيث فصلت حركة السير إلى مسارب للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين، وقد نبهت تقارير أممية وحقوقية منذ ظهور الطريق إلى أنه يكرس الفصل المكاني ويتيح توسعاً استيطانياً متواصلاً من دون تماس مباشر مع مراكز فلسطينية، ما يعمّق العزل ويعطي مشاريع مثل E1 قدرة أكبر على فرض وقائع يصعب التراجع عنها. 

صوت القانون الدولي

يحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري لسكان الأراضي المحتلة والقيام بسياسات تغيير ديمغرافي قسري وتنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على الحظر الصريح لترحيل الأشخاص المحميين أو نقلهم، كما يعد نقل قوة الاحتلال جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية في رأي استشاري محدث إلى عدم مشروعية جوانب واسعة من السياسات الإسرائيلية، واعتبرت المستوطنات انتهاكاّ لالتزامات إسرائيل الدولية، ما يعزز حجج الطعن القانوني في مخطط E1 وآثاره.

منظومة الأمم المتحدة، عبر مكتب المفوض السامي وخبراء الإجراءات الخاصة، دعت مراراً إلى وقف عمليات الهدم والإخلاء القسري في محيط القدس الشرقية، بما في ذلك خان الأحمر الذي يعد مؤشراً رمزياً لخطر الترحيل على بقية التجمعات في ممر E1.

كما وثقت منظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"أمنستي" أنماطاً متراكمة من الهدم والتجريف ومنع البناء، ورصَدتا آثاراً مباشرة على الحق في السكن والتعليم والصحة والتنقل، مع التأكيد أن هذه الممارسات قد تشكل جرائم حرب عند اقترانها بنقل سكان دولة إسرائيل إلى الأرض المحتلة. 

الآثار على الحياة اليومية

يتجلى الخطر في تفاصيل المعيشة ممثلاً في أشكال عدة منها: انقطاع الأطفال عن مدارسهم بسبب المسافات والطرق المحظورة، وتراجع الوصول إلى العيادات والأسواق، وتقويض مواسم الرعي ونفوق قطعان حيوية للدخل، وتآكل شبكات الدعم العائلي مع توالي عمليات الإخلاء.

 في تجمعات مثل جبل البابا، حيث يقطن نحو مئة شخص كما تفيد محافظة القدس، يعني أي هدم أو مصادرة خيام ومرافق أن الأسرة تدخل دوامة تنقل قسري متكرر، ما يفاقم الصدمات النفسية ويهز تماسك المجتمع المحلي. هذا الانزلاق من التضييق الإداري إلى خطر الاقتلاع هو ما تسميه الأمم المتحدة بيئة قسرية لا تقل أثراً عن التهجير المباشر.

وأعاد الاتحاد الأوروبي التذكير بأن المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأن أي بناء في E1 يوجه ضربة قاصمة لحل الدولتين، كما طالبت بيانات من برلين وعواصم أوروبية أخرى بوقف الخطة وتجميد البناء الاستيطاني، فيما كررت بعثات أوروبية ومؤسسات كنسية وحقوقية قيامها بزيارات ميدانية لتجمعات بدوية مهددة تأكيداً على المراقبة الوثيقة

في المقابل، تتمسك جهات إسرائيلية بأن المخطط يندرج ضمن تطوير عمراني واحتياجات نمو سكاني، وهو تبرير دحضته تحليلات قانونية وحقوقية تؤكد عدم جواز التذرع بالتخطيط المدني. 

خيارات بين القضاء والضغط الدولي

يلجأ السكان إلى مسارات قانونية داخلية عبر التماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية، وإلى منابر أممية للفت الانتباه إلى المخاطر، غير أن التعويل الأكبر يأتي تقليدياً من الضغط الدبلوماسي الذي دفع سابقاً إلى تجميد مؤقت للمخطط. 

ورغم أن أصل المشكلة سياسي وقانوني، فإن إدارة تبعاتها إنسانياً باتت إلحاحاً يومياً. تحتاج التجمعات المهددة إلى دعم لمرافق التعليم والصحة والمياه، وبرامج متخصصة للصمود تساعد الأسر على الاستمرار في أماكنها قدر الإمكان ضمن القانون، مع توثيق منهجي لأي انتهاكات وتقديمها للآليات الدولية، وتظهر دروس السنوات الماضية أن الحضور الميداني للمنظمات والشركاء الدوليين يحدّ من تفاقم الأضرار لكنه لا يبدد الخطر ما لم يُعالج السبب البنيوي المتمثل في توسيع الاستيطان وفرض طرق عزل جديدة، وفق المفوضية السامية لحقوق الإنسان.

ظهر مخطط E1 لأول مرة في التسعينيات ضمن حزام استيطاني يربط معاليه أدوميم بالقدس، ومنذ ذلك الحين ظل يتأرجح بين الدفع والتجميد بفعل الضغوط الدولية، لأنه عند تنفيذه يقسم الضفة فعلياً إلى كتلتين شمالية وجنوبية ويعزل القدس الشرقية، وفي أغسطس 2025، عاد إلى الصدارة بإعلانات حكومية إسرائيلية عن المضي قدماً، وردود فورية من الاتحاد الأوروبي وألمانيا تؤكد أن البناء في E1 اختراق خطير للقانون الدولي ونسف لحل الدولتين. 

وفي السياق القانوني، تحظر اتفاقية جنيف الرابعة النقل القسري، ويصنف نظام روما نقل سكان دولة إسرائيل إلى الأرض المحتلة جريمة حرب، في حين اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن سياسات الاستيطان والإلحاق غير مشروعة وتستوجب إنهاء الانتهاكات وجبر الضرر.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية